هل الكون يتذكرنا , أم نحن الذين نتذكر الكون؟
.يظن الإنسان أن الذاكرة ملكٌ للعقل وحده
يعتقد أن الأشجار لا تتذكر، وأن الجبال لا تحتفظ بشيء،
وأن الهواء ينسى كل كلمة مرّت خلاله. لكن ماذا لو كان هذا الاعتقاد
مجرد نتيجة لأننا عرّفنا الذاكرة بطريقة ضيقة جداً؟
لنفترض أنك رميت حجراً في بحيرة هادئة. ستتشكل دوائر تمتد حتى تختفي عن عينك. هل اختفت فعلاً؟ أم أنها نقلت جزءاً من طاقتها
إلى الماء والهواء والضفاف، ثم استمرت آثارها في سلسلة لا نهائية من التغيرات التي لم يعد بإمكاننا تتبعها؟ كل حدث في الكون يترك أثراً. الكرسي الذي تجلس عليه يحمل آثار جسدك. الكتاب الذي تقرؤه يحمل بصمات من صنعه ومن لمسه. حتى الضوء الذي ينعكس الآن عن وجهك سينطلق في الفضاء بسرعة الضوء، وقد يظل مسافراً لمليارات السنين. أنت لا تختفي تماماً؛ بل تتحول إلى آثار متناثرة في نسيج الواقع.
إذا كانت الذاكرة هي بقاء الأثر بعد زوال الفعل،
فلماذا نحصرها في الدماغ البشري؟
ربما لا يتذكر الكون كما نتذكر نحن، لكنه لا ينسى أيضاً.
فالكون لا يحتاج إلى عقل ليسترجع الماضي؛ يكفي أن يحتفظ بنتائجه. كل ذرة حولنا هي سجل لتاريخ طويل من الاصطدامات والانفجارات والتحولات. النجوم تحمل في داخلها تاريخ نجوم ماتت قبلها،
وأجسادنا نفسها مكوّنة من عناصر وُلدت داخل شموس انطفأت قبل ظهور الأرض بمليارات السنين.
بهذا المعنى، أنت لا تحمل ذكرياتك وحدها، بل تحمل تاريخ الكون كله داخل ذراتك. وربما لهذا السبب نشعر أحياناً بألفة غريبة مع أماكن لم نزُرها، أو برهبة أمام السماء ليلاً. ليس لأن المكان يتحدث إلينا،
بل لأننا مصنوعون من المادة نفسها التي صنعته.
هناك قرابة كونية أعمق من كل أشكال القرابة التي اخترعها البشر.
لكن السؤال الأكثر غرابة هو: ماذا لو لم يكن النسيان موجوداً أصلاً؟
ربما كل ما نعتقد أنه ضاع لا يزال موجوداً، لكنه موزع في أماكن
لا نستطيع جمعها من جديد. الكلمة التي قلتها قبل عشر سنوات لم تختفِ من الوجود، بل تحولت إلى اهتزازات ونتائج غيرت أشخاصاً آخرين، وغير هؤلاء أشخاصاً آخرين، حتى أصبح من المستحيل تتبع السلسلة. إذن، هل يموت الماضي؟ أم أنه يتخفى في الحاضر بأشكال جديدة؟ ربما لا يكون الإنسان كائناً يعيش داخل الكون، بل يكون حدثاً صغيراً يضيف سطراً جديداً إلى ذاكرة كونية لا تنسى شيئاً، حتى وإن كانت لا تتذكر بالطريقة التي نفهم بها معنى التذكر. ولعل أكثر فكرة تُربك العقل ليست أن الكون واسع، بل أن كل حركة تقوم بها الآن قد تصبح جزءاً من تاريخه إلى الأبد، حتى بعد أن يتلاشى اسمك، ويُمحى قبرك، وينسى البشر أنك وجدت يوماً. ربما لا يتذكر الكون كما نتذكر نحن، لكنه لا ينسى أيضاً. فالكون لا يحتاج إلى عقل ليسترجع الماضي؛ يكفي أن يحتفظ بنتائجه. كل ذرة حولنا هي سجل لتاريخ طويل من الاصطدامات والانفجارات والتحولات. النجوم تحمل في داخلها تاريخ نجوم ماتت قبلها، وأجسادنا نفسها مكوّنة من عناصر وُلدت داخل شموس انطفأت قبل ظهور الأرض بمليارات السنين. بهذا المعنى، أنت لا تحمل ذكرياتك وحدها، بل تحمل تاريخ الكون كله داخل ذراتك. وربما لهذا السبب نشعر أحياناً بألفة غريبة مع أماكن لم نزُرها، أو برهبة أمام السماء ليلاً. ليس لأن المكان يتحدث إلينا، بل لأننا مصنوعون من المادة نفسها التي صنعته. هناك قرابة كونية أعمق من كل أشكال القرابة التي اخترعها البشر. لكن السؤال الأكثر غرابة هو: ماذا لو لم يكن النسيان موجوداً أصلاً؟ ربما كل ما نعتقد أنه ضاع لا يزال موجوداً، لكنه موزع في أماكن لا نستطيع جمعها من جديد. الكلمة التي قلتها قبل عشر سنوات لم تختفِ من الوجود، بل تحولت إلى اهتزازات ونتائج غيرت أشخاصاً آخرين، وغير هؤلاء أشخاصاً آخرين، حتى أصبح من المستحيل تتبع السلسلة.
إذن، هل يموت الماضي؟ أم أنه يتخفى في الحاضر بأشكال جديدة؟
ربما لا يكون الإنسان كائناً يعيش داخل الكون، بل يكون حدثاً صغيراً يضيف سطراً جديداً إلى ذاكرة كونية لا تنسى شيئاً، حتى وإن كانت لا تتذكر بالطريقة التي نفهم بها معنى التذكر.
ولعل أكثر فكرة تُربك العقل ليست أن الكون واسع، بل أن كل حركة تقوم
.بها الآن قد تصبح جزءاً من تاريخه إلى الأبد،
بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي
مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .
تعليقات
إرسال تعليق