إذا اختفى القانون ، هل سيبقى الإنسان إنسانا ؟

 في ساعة متأخرة من الليل ، وكعادتي اتمتع بقيادة سيارتي عندما يكون الاخرون نائمين ، كان هنالك رجل يقف وحيد امام اشارة مرور حمراء لاتوجد سيارات تعبر الطريق ولا شرطي يراقبه ، ولا حتى كاميرا ترصد حركته. ومع ذلك، ينتظر حتى يتحول الضوء إلى اللون الأخضر ثم يكمل طريقه.

 قد تبدو هذه الحادثة عادية، لكنها داعبت عقلي بسؤالاً فلسفياً عميقاً: 

لماذا نطيع القانون عندما لا يرانا أحد؟ 

لطالما اعتقد الإنسان أن القانون يعيش في المحاكم والسجون ومراكز الشرطة، وأن قوته مستمدة من العقوبة التي تلاحق المخالف. لكن لو كان الأمر كذلك فقط، لما التزم الناس بالقواعد في غياب الرقابة.

 فكيف نفسر آلاف المواقف التي يلتزم فيها الإنسان بالنظام رغم يقينه بأنه لن يُكتشف إن خالفه؟ يبدو بعد بحثي البسيط أن القانون مع مرور الزمن لم يعد مجرد نصوص مكتوبة، بل أصبح جزءاً من تكويننا النفسي. فمنذ طفولتنا نتعلم ما يجوز وما لا يجوز، وما هو مقبول وما هو مرفوض. نُكافأ على الطاعة ونُعاقب على المخالفة، حتى تتحول تلك الأوامر تدريجياً إلى صوت داخلي يرافقنا أينما ذهبنا. 

ولذلك في كثير من الاحيان الانسان لا يخاف من العقوبة بقدر مايخاف من مخالفة ذلك الضمير الذي لاطالما سكن بداخله والادهى هو الذي صنع ذلك الصوت ونبقى مع باب مفتوح لم يؤصد هل يعني هذا أن الإنسان صالح بطبيعته؟ 

هنا ينقسم الفلاسفة. فهنالك من يرى أن الإنسان يحمل في داخله ميلاً فطرياً نحو التعاون والاحترام، وأن القانون لم يأتِ إلا لتنظيم هذه النزعة الطبيعية. بينما يرى آخرون أن القانون هو السد الذي يمنع الفوضى، وأن غيابه سيكشف جانباً مظلماً من الطبيعة البشرية. وربما لهذا السبب ظل السؤال مطروحاً عبر القرون:

 هل نحن نلتزم بالقانون لأننا نؤمن بعدالته؟ أم لأننا اعتدنا وجوده حتى أصبح جزءاً من شخصيتنا؟ 

 فلو نشأ الإنسان في مجتمع مختلف تماماً، بقواعد أخرى وقوانين أخرى، هل كان سيؤمن بها بالقدر نفسه؟ إن هذه الفكرة تدفعنا للتأمل في العلاقة المعقدة بين القانون والحرية. فنحن نحب أن نعتقد أننا أحرار في اختياراتنا، لكن جزءاً كبيراً من تلك الاختيارات من صياغة البيئة التي نشأنا فيها، والعادات التي تعلمناها، والقوانين التي أحاطت بنا منذ ولادتنا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن القانون كان أحد أهم الأدوات التي سمحت للإنسان ببناء الحضارات. فبدونه يصبح التعاون صعباً، وتتحول الثقة بين الناس إلى أمر نادر. إن وجود قواعد مشتركة، مهما اختلفنا حولها، هو ما يجعل المجتمع قادراً على الاستمرار. لكن السؤال الأهم لا يزال قائماً: إذا اختفى القانون غداً، هل سيبقى الإنسان إنساناً؟ ،هل ستقوده أخلاقه وحدها إلى احترام الآخرين؟ أم أن كثيراً مما نسميه أخلاقاً هو في الحقيقة أثرٌ طويل المدى لقواعد اعتدنا العيش في ظلها؟ قد لا نجد إجابة نهائية لهذا السؤال، لكن مجرد التفكير فيه يكشف لنا حقيقة مهمة: أن القانون ليس مجرد مواد مكتوبة في الكتب، بل فكرة تسير معنا في الشارع، وتجلس معنا في البيت، وترافقنا حتى في اللحظات التي نظن أننا فيها وحدنا تماماً. فربما يكون أعظم انتصار للقانون أنه لم يعد يحتاج إلى من يفرضه علينا، لأنه وجد  طريقه إلى داخلنا


بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي 

مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .

تعليقات

إرسال تعليق