عقد الإذعان والعقد الاجتماعي: كيف تحولت الحرية إلى موافقة إجبارية ؟

 في المقالة السابقة تحدثت عن فكرة العقد الاجتماعي بوصفها الأساس الفلسفي الذي قامت عليه الدولة الحديثة،

حيث تنازل الإنسان طوعاً عن جزء من حريته مقابل الأمن والاستقرار.

لكن عند التأمل في أحد أكثر العقود شيوعاً في عصرنا، وهو عقد الإذعان،

يبرز تساؤل فلسفي مهم: هل ما زالت الحرية التي تحدث عنها فلاسفة العقد الاجتماعي قائمة فعلاً، أم أنها تحولت إلى مجرد موافقة شكلية على شروط يضعها الآخرون؟

يُعرف عقد الإذعان بأنه العقد الذي يضع أحد أطرافه شروطه مسبقاً،

بحيث لا يملك الطرف الآخر إلا القبول بها كاملة أو رفضها بالكامل، دون أي قدرة حقيقية على التفاوض

وفي ظاهره يبدو مجرد أداة قانونية لتنظيم العلاقات التجارية والخدمية،

إلا أن النظر إليه من زاوية اخرى نكتشف أنه يعكس إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين الحرية والسلطة في المجتمع الحديث

حيث قامت نظرية العقد الاجتماعي، خاصة عند جون لوك، على فكرة الإرادة الحرة

فالإنسان يتنازل عن جزء من حريته للدولة مقابل حماية حقوقه الأساسية 

المتمثلة في الحياة والحرية والملكية. ويُفترض أن هذا التنازل يتم بإرادة واعية وحرة

أما في عقود الإذعان الحديثة، فإن هذه الإرادة تبدو في كثير من الأحيان أقرب

إلى الوهم منها إلى الحقيقة. فعندما يضغط الفرد على زر

أوافق على الشروط والأحكامللحصول على خدمة رقمية مثلا 

أو للاتصال بالإنترنت أو لاستخدام تطبيق معين، فإنه لا يفاوض ولا يناقش،

بل يواجه خياراً لقبول أو الحرمان من الخدمة.

من هذا المنظور، يتحول التعاقد من حوار بين إرادتين متكافئتين إلى علاقة غير متوازنة يفرض فيها الطرف الأقوى شروطه على الطرف الأضعف مع استغلال حاجة الشخص الى الخدمة .

وهنا يتراجع جوهر الفكرة الديمقراطية التي قامت عليها نظريات العقد الاجتماعي، ليحل محلها منطق الامتثال والقبول الإجباري.

من سلطة الدولة إلى سلطة الشركات رأى توماس هوبز أن الإنسان تنازل عن جزء من حريته لصالح الدولة لتجنب الفوضى والصراع كما ذكرنا في مقالتنا السابقة .

وكانت الدولة، في نظره، هي صاحبة السلطة العليا القادرة على فرض النظام.

إلا أن المشهد المعاصر يكشف عن انتقال جانب كبير من هذه السلطة وتحولها إلى

مؤسسات اقتصادية وتكنولوجية عملاقة أصبحت تمتلك تأثيراً واسعاً في حياة الأفراد. فالشركات الرقمية لا تدير خدمات فقط، بل تدير بيانات وسلوكيات وأنماط حياة كاملة. وهنا تكتسب رؤية ميشيل فوكو أهمية خاصة، 

إذ ربط السلطة بالمعرفة والقدرة على المراقبة والتحكم.

فكلما ازداد ما تعرفه المؤسسات عن الأفراد، ازدادت قدرتها على توجيههم والتأثير

في قراراتهم. وبذلك تصبح عقود الإذعان الحديثة أدوات قانونية تمنح هذه المؤسسات شرعية الوصول إلى المعلومات الشخصية والتحكم بجزء متزايد من الحياة الرقمية للإنسان والتقييد الغير مبرر ومستمر. 

هل كان العقد الاجتماعي نفسه عقد إذعان؟  

يظهر التساؤل الأكثر عمقاً عند مقارنة العقد الاجتماعي بعقد الإذعان: هل كان العقد الاجتماعي نفسه عقداً حراً كما تصورته الفلسفة السياسية،

أم أنه كان منذ البداية نوعاً من الإذعان لسلطة قائمة؟

يشير بعض الفلاسفة المعاصرين، ومنهم جاك دريدا، إلى أن كل نظام قانوني أو سياسي يحمل في لحظة تأسيسه قدراً من القوة والفرض لا يمكن تجاهل كونه دكتاتور وقمعي بحت

فالعقد الاجتماعي لم يكن اجتماعاً تاريخياً حقيقياً جلس فيه البشر جميعاً للتفاوض،

بل كان تصوراً فلسفياً يهدف إلى تفسير شرعية السلطة السياسية

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن عقد الإذعان يمثل تطوراً جديداً لعلاقات القوة القديمة، لكنه أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. فبدلاً من الخضوع لسلطة سياسية يشارك الفرد 

ولو نظرياًفي تشكيلها،

أصبح خاضعاً لشروط تضعها مؤسسات تسعى بالدرجة الأولى إلى تحقيق مصالحها الخاصة.

الاغتراب في العصر الرقمي تكمن المفارقة في أن رفض عقد الإذعان اليوم قد يعني استبعاد الفرد من كثير من مظاهر الحياة الحديثة.

فرفض شروط التطبيقات والمنصات والخدمات الأساسية قد يؤدي إلى عزلة رقمية واجتماعية واقتصادية متزايدة.

وبذلك لا يصبح القبول تعبيراً عن حرية الاختيار، بل وسيلة لتجنب الإقصاء.

وهنا تتحول عقود الإذعان إلى شكل جديد من أشكال التبعية الحديثة، 

حيث يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى التنازل عن جزء من خصوصيته وحريته مقابل الاستمرار في المشاركة بالحياة المعاصرة


خاتمة 

يكشف عقد الإذعان عن واحدة من أهم الإشكاليات الفلسفية والقانونية في عصرنا

هل يكفي وجود الموافقة الشكلية للقول بوجود حرية حقيقية؟ 

إن الرضا الذي يصدر في ظل اختلال واضح في موازين القوة لا يكون دائماً تعبيراً كاملاً عن الإرادة الحرة، بل قد يكون استجابة لضرورة اجتماعية أو اقتصادية أو تقنية لا يمكن تجنبها. وإذا كان العقد الاجتماعي قد سعى إلى تأسيس المواطنة وتنظيم العلاقة بين الفرد والدولة، فإن عقود الإذعان الحديثة تدفعنا إلى إعادة التفكير في مفهوم الرضا ذاته، والبحث عن نماذج تعاقدية أكثر عدالة تضمن للإنسان حق المشاركة والتفاوض، 

لا مجرد التوقيع على شروط صاغها الآخرون مسبقاً


سؤال مفتوح للقارئ :

هل ما نمارسه اليوم عند قبول شروط الخدمات والتطبيقات المختلفة هو تعبير عن حرية الاختيار، أم أنه مجرد شكل حديث من أشكال الإذعان ؟  


بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي 

مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نحن لا نطيع القانون، نحن نعبد الصنم الذي صنعناه .

إذا اختفى القانون ، هل سيبقى الإنسان إنسانا ؟