القدس ليست قضيتي .
بأسم أمةٍ أنهكني الكذب الذي يُرتكب باسمها، وأصابني الاشمئزاز من واقعها. كيف يُطلب مني أن أفخر بها، وأنا أراها تُبرِّر محو العواصم، وتُصفِّق لمن سرق أرواح الشعوب بدمٍ بارد؟ كيف يُراد لي أن أعتز بأمةٍ تُصفِّق للجلاد ما دام قد رفع شعارًا مقدسًا؟
في الأيام الأخيرة شاهدنا حلقات مسلسلٍ طويل اسمه القدس. ولم أفهم يومًا هذا المسلسل، رغم أنني عشته بكل تفاصيله. من جيش القدس في بغداد، إلى فيلق القدس في طهران، إلى جبهة الصمود والتصدي في دمشق. اختلفت الأنظمة، وتبدلت الأيديولوجيات، لكن النهاية بقيت واحدة: توظيف القضية الفلسطينية لغسل دماء الأزمات الداخلية، وبناء شرعيةٍ وهمية على أنقاض حريات الشعوب.
واليوم رأيت شعبي يقف مع هذا المشهد من جديد؛ يزحف، ويمجّد شخصيةً سياسيةً ماتت في إيران، لا لأنها أنقذت وطنًا، بل لأنها رفعت الشعار ذاته. رأيت البكاء، واللطم، وتقبيل النعش، والغلو في رجلٍ سرق روح خالي، وسرق أرواح العراقيين، وساهم في إغراق شعوبٍ كاملة بالدماء.
تكرهني يا من أنت من لحمي ودمي. واختلفت معي في العقيدة والمذهب، لكنك لم تختلف معي في الهوية، ولا في العِرق، ولا في الوطن. ألم تكن بالأمس تصرخ في وجه ظلم الرئيس الجائر صدام حسين؟ أليس هو نفسه من اتخذ القضية الفلسطينية درعًا لشرعيته القمعية؟ ربط غزو الكويت بتحرير فلسطين، وأطلق صواريخ عام 1991 ليكسر عزلته، وصنع جيش القدس ليحمي نظامه، لا أرضه.
وفي دمشق، تحوّل الشعار إلى سورٍ يحمي العرش. رُفعت لافتة: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، لكنها لم تكن معركة تحرير، بل معركة تبرير غياب الحريات، وقمع المعارضة، وتعليق تهمة الخيانة على رقاب كل معترض. وكم رأينا أبرياء عُذِّبوا بأبشع الوسائل، حتى إنك لو رأيتها لرفضتها على ألدِّ أعدائك.
وأخيرًا، وليس آخرًا، خامنئي. بالنسبة إليه، كانت القدس جسرًا لتجاوز العزلة الطائفية، فسُمِّي فيلق القدس ليتمدد في العواصم العربية، وأُسس يوم القدس ليمنح طهران صورة القائد للعالم الإسلامي. أما أنت، الذي ركعت بالأمس عند نعشه ، الم يوقظك هذا التكرار كما رفعت راية التحرر بعد السقوط ؟
مرةً كانت قومية، ومرةً بعثية، ومرةً سنية، ومرةً شيعية، ومرةً ثيوقراطية إيرانية. اختلفت الرايات، لكن المفتاح البلاغي بقي واحدًا: القدس. الاسم نفسه، والخطاب نفسه، والنتيجة نفسها؛ قمعٌ في الداخل، وتوسّعٌ في الخارج، وانت تدفع الثمن من حريتك، واقتصادك، ومستقبلك، بينما لم تتحرك الجيوش خطوةً واحدة نحو تحرير القدس.
إن قضية القدس تشبه كثيرًا قضية الحسين التي تُحدّثني عنها في هذا الشهر. فالقدس لا تحتاج إلى فيالق تُدمّر العواصم باسمها، والحسين لا يحتاج دموعًا تملأ التراب عبثًا. القدس لا تحتاج صواريخ تُطلق لإنقاذ شرعيةٍ كاذبة، والحسين لم يأمر يومًا بالخضوع لظالم. فلا الحسين يرضى بالظلم، ولا القدس يحررها الجهل.
بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي
مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .
تعليقات
إرسال تعليق