المشاركات

القدس ليست قضيتي .

بأسم أمةٍ أنهكني الكذب الذي يُرتكب باسمها، وأصابني الاشمئزاز من واقعها. كيف يُطلب مني أن أفخر بها، وأنا أراها تُبرِّر محو العواصم، وتُصفِّق لمن سرق أرواح الشعوب بدمٍ بارد؟ كيف يُراد لي أن أعتز بأمةٍ تُصفِّق للجلاد ما دام قد رفع شعارًا مقدسًا؟ في الأيام الأخيرة شاهدنا حلقات مسلسلٍ طويل اسمه القدس. ولم أفهم يومًا هذا المسلسل، رغم أنني عشته بكل تفاصيله. من جيش القدس في بغداد، إلى فيلق القدس في طهران، إلى جبهة الصمود والتصدي في دمشق. اختلفت الأنظمة، وتبدلت الأيديولوجيات، لكن النهاية بقيت واحدة: توظيف القضية الفلسطينية لغسل دماء الأزمات الداخلية، وبناء شرعيةٍ وهمية على أنقاض حريات الشعوب. واليوم رأيت شعبي يقف مع هذا المشهد من جديد؛ يزحف، ويمجّد شخصيةً سياسيةً ماتت في إيران، لا لأنها أنقذت وطنًا، بل لأنها رفعت الشعار ذاته. رأيت البكاء، واللطم، وتقبيل النعش، والغلو في رجلٍ سرق روح خالي، وسرق أرواح العراقيين، وساهم في إغراق شعوبٍ كاملة بالدماء. تكرهني يا من أنت من لحمي ودمي. واختلفت معي في العقيدة والمذهب، لكنك لم تختلف معي في الهوية، ولا في العِرق، ولا في الوطن. ألم تكن بالأمس تصرخ في وجه ظلم...

ليلة د.أيزنهاور

ليلة ٥ يونيو عام   ١٩٤٤ و قبل ساعات من عملية إنزال نورماندي  . كان دوايت د.أيزنهاور  القائد الأعلى لقوات الحلفاء، وقد زار المظليين من الفرقة ١٠١ المحمولة جوًا وهم يستعدون للصعود إلى الطائرات المتجهة إلى فرنسا. تحدث معهم، وسأل بعضهم عن ولاياتهم وأعمالهم وأعمارهم، وتمنى لهم الحظ، وهو يعلم أن  كثيرًا منهم لن يعودوا أحياء بعد أن أقلعت آخر الطائرات، بقي أيزنهاور يراقبها وهي تختفي في الظلام. وعندما استدار عائدًا إلى سيارته، شوهدت الدموع في عينيه. لم يكن يبكي خوفًا على نفسه، بل لأنه كان يدرك أن قراره سيؤدي حتمًا إلى مقتل آلاف الجنود، حتى لو كان ذلك ضروريًا لهزيمة ألمانيا النازية.   في تلك الليلة كتب رسالة بخط يده، احتفظ بها في جيبه، استعدادًا لأسوأ احتمال. جاء فيها بمعنى: إذا فشلت عملية الإنزال، فأنا وحدي أتحمل المسؤولية، ولا يقع اللوم على الجنود أو البحرية أو القوات الجوية، فقد أدوا واجبهم بكل شجاعة. لكنه لم يضطر إلى نشرها لأن العملية نجحت.   أما الصورة الشهيرة أعلاه التي يظهر فيها أيزنهاور باكيًا، فهي التُقطت عام  ١٩٥٢ أثناء حديثه أمام مجموعة من قدامى المحا...

هل الكون يتذكرنا , أم نحن الذين نتذكر الكون؟

 .يظن الإنسان أن الذاكرة ملكٌ للعقل وحده يعتقد أن الأشجار لا تتذكر، وأن الجبال لا تحتفظ بشيء، وأن الهواء ينسى كل كلمة مرّت خلاله . لكن ماذا لو كان هذا الاعتقاد مجرد نتيجة لأننا عرّفنا الذاكرة بطريقة ضيقة جداً؟ لنفترض أنك رميت حجراً في بحيرة هادئة . ستتشكل دوائر تمتد حتى تختفي عن عينك . هل اختفت فعلاً؟ أم أنها نقلت جزءاً من طاقتها إلى الماء والهواء والضفاف، ثم استمرت آثارها في سلسلة لا نهائية من   التغيرات التي لم يعد بإمكاننا تتبعها؟ كل حدث في الكون يترك أثراً .  الكرسي الذي تجلس عليه يحمل آثار جسدك .  الكتاب الذي تقرؤه يحمل بصمات من صنعه ومن لمسه . حتى الضوء الذي ينعكس الآن عن وجهك سينطلق في الفضاء بسرعة الضوء، وقد يظل مسافراً لمليارات السنين . أنت لا تختفي تماماً؛ بل تتحول إلى آثار متناثرة في نسيج الواقع .  إذا كانت الذاكرة هي بقاء الأثر بعد زوال الفعل، فلماذا نحصرها في الدماغ البشري؟   ربما لا يتذكر الكون كما نتذكر نح...