المشاركات

أنطولوجيا العدم ، كيف يمنح القانون اللاشئ جسدا وحقوقا ؟

في أروقة جامعتي وتحديدا تخصصي ،  يُلقّن الطلاب  أن التشريع هو مرآة الواقع، وأنه وُجد ليتعامل مع كائنات مادية ملموسة مثلا : إنسان يتنفس، عقار يرتفع، أو جريمة تُرتكب في عالم المادة وماهي عقوبتها وتكييفها .  لقرون استقر في الوعي الجمعي أن القانون كائن وضعي واقعي،  لا علاقة له بعالم الغيبيات والميتافيزيقا. لكن، عند الهبوط إلى القاع الفلسفي للنظرية القانونية، س نكتشف حقيقة مغايرة تماماً،  حقيقة نادرة التداول ، تقول تلك الحقيقة ان القانون ليس واقعياً بالضرورة، بل هو في جوهره ساحر ميتافيزيقي يملك سلطة  الخلق والفناء . إن القانون لا يكتفي بتنظيم الوجود،   بل يرتكب أكبر خطيئة فلسفية ضد الأنطولوجيا حين يعترف  بـ "العدم المطلق"، ويمنحه اسماً، وجسداً، وأهليّة، وحقوقاً، وفي المقابل، يملك القدرة على محو "الوجود الحقيقي"  وتحويل الأحياء إلى أشباح.  وهذا موجود في احدى رفوف القانون المهجورة ، فدعنا نرى ما بتلك الرفوف  اولا : حقوق الأشباح بين  الجنين وقوننة غيب المستقبل  تبدأ المعضلة الفلسفية قبل أن يولد الإنسان،  بل ربما قبل أن يُفكر ...

إذا اختفى القانون ، هل سيبقى الإنسان إنسانا ؟

 في ساعة متأخرة من الليل ، وكعادتي اتمتع بقيادة سيارتي عندما يكون الاخرون نائمين ، كان هنالك رجل يقف وحيد امام اشارة مرور حمراء لاتوجد سيارات تعبر الطريق ولا شرطي يراقبه ، ولا حتى كاميرا ترصد حركته. ومع ذلك، ينتظر حتى يتحول الضوء إلى اللون الأخضر ثم يكمل طريقه.  قد تبدو هذه الحادثة عادية، لكنها داعبت عقلي بسؤالاً فلسفياً عميقاً:  لماذا نطيع القانون عندما لا يرانا أحد؟  لطالما اعتقد الإنسان أن القانون يعيش في المحاكم والسجون ومراكز الشرطة، وأن قوته مستمدة من العقوبة التي تلاحق المخالف. لكن لو كان الأمر كذلك فقط، لما التزم الناس بالقواعد في غياب الرقابة.  فكيف نفسر آلاف المواقف التي يلتزم فيها الإنسان بالنظام رغم يقينه بأنه لن يُكتشف إن خالفه؟  يبدو بعد بحثي البسيط أن القانون مع مرور الزمن لم يعد مجرد نصوص مكتوبة، بل أصبح جزءاً من تكويننا النفسي. فمنذ طفولتنا نتعلم ما يجوز وما لا يجوز، وما هو مقبول وما هو مرفوض. نُكافأ على الطاعة ونُعاقب على المخالفة، حتى تتحول تلك الأوامر تدريجياً إلى صوت داخلي يرافقنا أينما ذهبنا.  ولذلك في كثير من الاحيان الانسان لا ي...

عقد الإذعان والعقد الاجتماعي: كيف تحولت الحرية إلى موافقة إجبارية ؟

  في المقالة السابقة تحدثت عن فكرة العقد الاجتماعي  بوصفها الأساس الفلسفي  الذي قامت عليه الدولة الحديثة، حيث تنازل الإنسان طوعاً عن جزء من حريته مقابل الأمن والاستقرار . لكن عند التأمل في أحد أكثر العقود شيوعاً في عصرنا، وهو عقد الإذعان، يبرز تساؤل فلسفي مهم : هل ما زالت الحرية التي تحدث عنها فلاسفة العقد الاجتماعي قائمة فعلاً، أم أنها تحولت إلى مجرد موافقة شكلية على شروط يضعها الآخرون؟ يُعرف عقد الإذعان بأنه العقد الذي يضع أحد أطرافه شروطه مسبقاً، بحيث لا يملك الطرف الآخر إلا القبول بها كاملة أو رفضها بالكامل، دون أي قدرة حقيقية على التفاوض .  وفي ظاهره يبدو مجرد أداة قانونية لتنظيم العلاقات التجارية والخدمية، إلا أن النظر إليه من زاوية اخرى  نكتشف  أنه يعكس إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين الحرية والسلطة في المجتمع الحديث .  حيث  قامت نظرية العقد الاجتماعي، خاصة عند جون لوك، على فكرة الإرادة الحرة .  فالإنسان يتنا...