جينالوجيا الخضوع .
السلطة هذا الكائن الغريب الذي غزلته مخيلة البشر من خيوط الوهم والضعف المشترك. إنها الخدعة الأكثر إتقاناً في تاريخ الوجود؛ ظل باهت يمتد على جدار الزمن،
بلا جَسد ماديّ يُمسك، ولا قيمة حقيقية تُوزن في ميزان الطبيعة.
ومع ذلك، يكفي أن يقف رجلٌ ضئيل، مجرد من أي فضيلة، يرتدي قناعاً من الكذب الممنهج أو يتسلح بسطوة البيان وسحر الأيديولوجيا، ليلقي على الجماهير تعويذة الاستسلام الخانقة. وفي لحظة من الذهول الجماعي، يستوي هذا الفراغ فجأة على قمة الهرم الإنساني، معتلياً رقاب ومصائر مَن وهبوه تلك القدسية الزائفة من عدم،
وصنعوا من صوته سوطاً يجلد ظهورهم.
لقد استيقظ عقلي من وعيٌ خامد كان يغط في نوم عميق، هزه نقاشٌ فلسفي عابر يدور بين ممثلين في عمل سينمائي، لكنه حوار يحمل ثقل التاريخ الإنساني كله.
تلخص المشهد في معضلة أزلية: يقف ملكٌ متوج، وكاهنٌ يتحدث باسم السماء،
ورجلٌ ثريّ يملك خزائن الأرض. وبين هؤلاء العظماء الثلاثة، يقف سيافٌ مرتزق،
رجلٌ أجير من عامة الشعب المطحون. كل من هؤلاء الأسياد يملك في ظاهره سُلطة لا تُقهر؛ هذا بتاجه وشرعيته السياسية، وذاك بصلواته وسطوته الروحية،
والآخر بذهبه ونفوذه المالي. والمفارقة المرعبة أن جميعهم يمدون أيديهم بالمال والوعد للمرتزق، ويأمرونه بقطع دابر الرجلين الآخرين.
هنا يبرز السؤال الوجودي الحارق: مَن مِن هؤلاء سيعيش، ومَن الذي سيموت؟
أجاب أحدهم بيقين: 'الأمر كله يعتمد على السيّاف'. لكن المفارقة تصفع وعيك هنا بعنف: هذا السياف رجلٌ عادي للغاية، لا تحبه الآلهة في عليائها، ولا يملك ذهباً يشتري به الولاء، ولا جاهاً ينحني له الناس، لكنه في تلك اللحظة الحرجة يملك 'السيف'.
والسيف في لحظة الحسم هو ميزان الحياة والموت، وهو القوة الحقيقية العارية من المساحيق. فلماذا إذن يتظاهر العالم بأكمله، عبر العصور والقرون، بأن السلطة تقبع في أيدي الملوك والكهنة، بينما هي في الحقيقة راقدة في قبضات الصعاليك والأجراء؟
فلماذا لا يحكم هؤلاء الذين يملكون الحديد؟ حين تهوي المقصلة في ساحة الإعدام، وتُسفك دماء الإنسان المعدوم، مَن القاتل المسؤول حقاً عن هذا الموت؟ هَل هو الملك الذي أومأ برأسه من علياء قصره؟ أم القاضي الذي صاغ صك الإعدام بحبر بارد؟
أم ذلك السياف الذي حوّل ضميره الإنساني إلى شفرة حادة تنفذ الأوامر بلا تفكير؟
أمال الملك رأسه غارقاً في حيرة صامتة، ولم يجد جواباً ينقذ عروشه من هذا السؤال الانتحاري. لقد أطبق الصمت على أرجاء المشهد السينمائي،
لكنه صمتٌ مخيف لم ينتهِ بانتهاء الحوار هناك؛ بل تسلل كالأفعى إلى دهاليز عقلي، لينهش يقيني ويبعثر طمأنينتي الزائفة. كم نحن مغفلون وسذج حين نعبد الظلال ونرتجف خوفاً من الأشباح التي صنعناها بأيدينا!
كم نملك من السذاجة لكي نمهد طرق العرش، ونعبد الدرب لأشخاص لا يملكون حُجة أخلاقية أو عقلية واحدة للوجود على ذلك الكرسي المذهب!
وكم من فكرة مسمومة تبنيناها بحماس أعمى، دون أن ندرك أنها ليست سوى حبال مشانقنا المؤجلة.
وكم من طاغية منحناه بطوع إرادتنا، وبسبب خوفنا الأزلي من الحرية وفوضى المجهول الحق الكامل في ممارسة طقوس الموت والحياة على أرواحنا وأجسادنا.
إن السلطة، في نهاية المطاف، لا توجد في التيجان ولا في الخزائن ولا في المعابد؛
بل تقبع فقط وحصرياً حيث يعتقد الضحايا أنها تقبع.
إنها محض خرافة اجتماعية، كذبة كبرى نُطعمها يومياً من لحم طاعتنا وخنوعنا،
حتى تكبر كما ذكرت سابقا ووصفتها ، تتوحش ثم تلتفت إلينا لتلهمنا في صمت.
بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي
مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .
تعليقات
إرسال تعليق