أنطولوجيا العدم ، كيف يمنح القانون اللاشئ جسدا وحقوقا ؟

في أروقة جامعتي وتحديدا تخصصي ، يُلقّن الطلاب 

أن التشريع هو مرآة الواقع، وأنه وُجد ليتعامل مع كائنات مادية ملموسة

مثلا : إنسان يتنفس، عقار يرتفع، أو جريمة تُرتكب في عالم المادة وماهي عقوبتها وتكييفها .

 لقرون استقر في الوعي الجمعي أن القانون كائن وضعي واقعي،

 لا علاقة له بعالم الغيبيات والميتافيزيقا. لكن، عند الهبوط إلى القاع الفلسفي للنظرية القانونية، سنكتشف حقيقة مغايرة تماماً، 

حقيقة نادرة التداول ، تقول تلك الحقيقة ان القانون ليس واقعياً بالضرورة، بل هو في جوهره ساحر ميتافيزيقي يملك سلطة الخلق والفناء . إن القانون لا يكتفي بتنظيم الوجود،  بل يرتكب أكبر خطيئة فلسفية ضد الأنطولوجيا حين يعترف بـ "العدم المطلق"، ويمنحه اسماً، وجسداً، وأهليّة، وحقوقاً، وفي المقابل، يملك القدرة على محو "الوجود الحقيقي" وتحويل الأحياء إلى أشباح. وهذا موجود في احدى رفوف القانون المهجورة ، فدعنا نرى ما بتلك الرفوف 

اولا : حقوق الأشباح بين الجنين وقوننة غيب المستقبل

 تبدأ المعضلة الفلسفية قبل أن يولد الإنسان، بل ربما قبل أن يُفكر والداه في إنجابه. في القانون المدني، يوجد مايسمى بالحق الاحتمالي أو الحق المعلق على شرط الاستهلال . هنا، يقف المشرّع أمام العدم المطلق ؛

 كائن لم يُخلق بعد، ليس له خلايا، ولا نبض، ولا وعي، وقد لا يوجد في هذا الكون أبداً إذا ما حدث إجهاض أو عقم. ومع ذلك، يتحرك القانون بهوس غريب، فيحجز حصصاً إرثية، ويثبت أموالاً، ويقيم حراسة قضائية لصالح هذا اللاشيء .

فكيف يمكن لعدمٍ لم يطأ الأرض أن يملك حقاً عينياً يتفوق به على الأحياء؟

 إن القانون هنا يتجاوز الطبيعة، ويمد ذراعه التشريعية إلى غيب المستقبل ليمنح كائناً هلامياً ذمة مالية مستقلة، مؤكداً أن  الوجود الورقي في نظر المشرّع أسبق وأقوى من الوجود البيولوجي.

ثانيا : مايسمى ببرزخ المفقود : 

جغرافيا ضائعة بين عالمين تقول إذا كان الجنين يمثل حركة القانون نحو الوجود قبل أوانه، فإن شخصية المفقود تمثل عجز البيولوجيا أمام حبر الورق. عندما تختفي آثار إنسان في ظروف غامضة، فلا يُعلم أحي هو أم ميت، يقف الطب وعلم الاجتماع عاجزين عن تصنيفه. 

أما القانون، فيخلق له حالة ثالثة خارج الثنائية الحتمية للكون

 حيث بها يكون المفقود في نظر القانون يعيش في منطقة برزخية.

 فهو ليس حياً تماماً، ولا تستطيع زوجته أن تتزوج،

 وليس ميتاً تماماً، ولا يجوز لورثته اقتسام أمواله. بكل بساطة اصبح القانون هنا يتحدى الزمن، ويمسك بروح الإنسان ويحتجزها في صالة انتظار قانونية لسنوات طويلة. النص الجاف يرفض الاعتراف بالغياب المادي، ويبقي على الحياة الاعتبارية للشخص رغماً عن الواقع، كأنه يفرض سيادته على الموت نفسه، فلا يموت الإنسان بيولوجياً إلا إذا أذن القاضي بموته ورقياً.

ثالثا : الشخص المعنوي : الكذبة الميتافيزيقية الكبرى لكن التجلي الأكبر لسحر القانون الوجودي يظهر في ابتكار ما يُعرف بـ "الشخص المعنوي" أو الاعتباري كالشركات عابرة القارات، والمؤسسات، والدول. في الفلسفة القديمة، يُهاب السحرة لأنهم يستحضرون الأرواح، وفي العصر الحديث، يفعل المشرّع الأمر ذاته تحت مسمى الشركة . الشركات لا تملك أجساداً، ولا عقولاً، ولا أرواحاً، ولا تمرض، ولا تموت. إنها أشباح قانونية ، محض خيال اتفق البشر على تصديقه. ومع ذلك، يمنحها القانون حق التملك، ومقاضاة البشر الحقيقيين، بل إنها تملك قوة تدميرية أو تعميرية

 تفوق ملايين الأجساد البشرية. نحن نعيش في كوكب تحكمه أشباح اعتبارية صنعها النص القانوني، ليتأكد لنا أن القانون لا ينظم عالمنا، 

بل يخلق عالمًا موازياً من الكائنات الوهمية التي باتت تسود على صناعها.

رابعا واخيرا : الموت المدني، عندما يمحو النص الوجود على الجانب الآخر من هذه اللعبة الميتافيزيقية، تبرز القدرة المرعبة للقانون على الإفناء. في تاريخ التشريع وحتى في بعض آثار القوانين الحديثة كالحرمان من الحقوق المدنية للمحكومين بالإعدام أو المؤبد ،

 يوجد مفهوم الموت المدني هنا، ينظر القانون إلى إنسان حي،

 يتحرك ويأكل، ويشعر، ويقول له: "أنت غير موجود". يُجرده من حقه

 في البيع، او الشراء، اوالزواج، أو رفع الدعاوى.

 يصبح جسده مجرد وعاء بيولوجي فارغ من أي قيمة قانونية.

 إذا كان المحور الأول يناقش كيف يحول القانون العدم إلى وجود، 

فإن الموت المدني يرينا كيف يحول القانون الوجود الحقيقي إلى عدم صِرف. إنها سلطة سلب الكينونة الإنسانية بمداد القلم. 


الخاتمة: القانون كإله أنطولوجي ، يخرج بنا من سجن النصوص الضيق إلى رحابة التساؤل الفلسفي.

 القانون ليس أداة لضبط السلوك فحسب، بل هو نظام ميتافيزيقي محكم ومتكامل يعيد صياغة تعريف الكائن. 

نحن لا نعيش في عالم تحكمه الطبيعة، بل في عالم تحكمه الافتراضات الخيالية ، التي صاغها فقهاء القانون. ولو رفعت عين القانون نظرها 

عن هذا الكون لثانية واحدة، لتبخرت الشركات، ولتغيرت مصائر الأموال، ولانفجر البرزخ الفاصل بين الحياة والموت. 

إنها الحقيقة الصادمة التي تجعلنا نتساءل في النهاية:

 هل القانون يخدم الإنسان، أم أن الإنسان مجرد حطب في محرقة الكائنات الوهمية التي خلقها القانون ؟



بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي 

مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عقد الإذعان والعقد الاجتماعي: كيف تحولت الحرية إلى موافقة إجبارية ؟

نحن لا نطيع القانون، نحن نعبد الصنم الذي صنعناه .

إذا اختفى القانون ، هل سيبقى الإنسان إنسانا ؟