نحن لا نطيع القانون، نحن نعبد الصنم الذي صنعناه .
في أحد الأيام التي كنت أتعرض فيها للغرق مع مواد القانون،
لفتني عنوان في أحد الكتب يرتدي قناع وهم الأخلاق والقيم والمبادئ، يشرح نظرية العقد الاجتماعي.
لطالما كنت أتوقع، بل ومؤمنًا، بأن القانون هو الباب الأول لفهم فلسفة النظام.
حتى بدأ الموضوع بشكل استفزازي يشرح فكرة السلعة والمبلغ، وكيف للشخص أن يتخلى عن جزء كبير من نفسه للتمتع بنظام وهمي يظن أنه محمي بداخله. ولكن من هي السلطة؟ من هي الدولة؟ وما هو هذا العقد؟
أتعلم أين تكمن الصفعة؟ إنها تكمن في خديعة فكرة الإرادة. صنم بنيناه بأنفسنا وعبدناه.
عندما نتأمل فلسفة خضوعنا لهذا النظام، نكتشف أن السلطة لم تأخذ حريتنا عنوة، بل نحن من ركعنا لذلك الصنم، وجثينا على ركبنا، وقدمنا حريتنا قربانًا لنيل رضاه.
لقد تنازلنا عن أهم مكون يتحدث عنه القانون، وهو السيادة.سيادتنا الفردية، مقابل دعوة إلى حفلة ممتعة
لم نحظى منها حتى بكأس. نفخنا في تلك الأصنام حتى بلغ بها ما نشهده اليوم، ونسينا أننا الخالقون،
ثم عبدنا المخلوق، ووضعنا أنفسنا في حلقة مفرغة تغلب علينا بها القانون. أصبح يعطينا تسريبات للحفلة التي صنعناها، ويوهمنا بوهم الاختيار والحرية. ولكنك حر فقط في أن تُسحق، أو تُنفى، أو تُرمى وراء القضبان.
وأبشع ما في الأمر استغلال السلطة لأهم محور لدينا، وهو غريزة البقاء. فنصبح خاضعين لها دون وعي تام، ونحن من نصوب سلاح الدولة على أنفسنا. لقد تم أدلجة عقل الإنسان الحديث داخل مغسلة العقول تلك على مر العصور، حتى تحول "الشرطي" من كائن يحمل هراوة في الشارع
إلى صوت قابع في أعماقنا . أنت لا تطيع القانون لأنك تؤمن به، بل لأن "الشرطي الداخلي" الذي زرعوه في عقلك يهمس لك في كل لحظة: إياك أن تخرج عن القطيع.
والمؤلم الحقيقي عندما تدرك أن هذا "العقد الاجتماعي" ليس صفقة تجارية عادلة كما ذكر من يناصر هذا العقد، بل هو عقد إذعان أبدي ورثناه من أسلافنا دون أن نملك حق إلغائه أو حتى تعديل بنوده.
تلك الصفقة باعت لنا الأمان، لكنها هي نفسها مصدر الخوف الأكبر. فهي الكيان الوحيد الذي يملك حق احتكار العنف الشرعي، ويقرر متى تكون الجريمة جريمة، ومتى تكون واجبًا.
مفارقة قبيحة؛ ففي بداية الإنسان البدائي كانت غريزة البقاء تتمثل بالهروب من الوحوش المفترسة. تركنا ذلك، وادعينا التطور، والآن أصبحنا نحن والوحش الذي أتينا به لأنفسنا في قفص واحد.
وبدلًا من أن نهرب، سلمنا له مفاتيح أغلالنا طوعًا وبلا مقاومة.
واعترفنا بما هو أسوأ من ذلك كله: أننا لا نهرب من الوحوش فقط، بل نحن الوحوش المفترسة ،
ونحن من نستحق الدخول في تلك الزنزانة. إلى أن ينتهي هذا الوجود، سنظل نوقع بأقدامنا على عقد لم نقرأه يومًا. نطيع وننصاع، ونتوهم أننا أحرار لمجرد أن القيود لم تعد تُصنع من الحديد، بل أصبحت تُصنع من نصوص ومواد. لقد سكن الشرطي في عقولنا، ولم يعد السؤال: "لماذا نخضع للقانون؟" بل اصبح السؤال :
"هل تبقى فينا شيء من الإنسان لو رُفع هذا القانون يومًا؟"
بقلم : بكر حسنين مصلح المدفعي
مؤسس مشروع ما وراء القانون ، لآن القانون ليس نصا جامدا بل فكرة تتحرك داخل المجتمع .
تعليقات
إرسال تعليق